ثقافي

حين ألبسني أبي الجنبية ....

لا أعرف لماذا بقي ذلك اليوم عالقًا في ذاكرتي كل هذه السنوات، رغم أنني كنت طفلًا لا يتجاوز عمره سنوات قليلة. ربما لأنني رأيت أبي يومها على هيئة لم أعتدها، أو لأنني ارتديت شيئًا جعلني محط أنظار الجميع.

كتابة: عبدالإله القادري 5 نوفمبر 2026 · تم التحديث منذ 6 دقائق · 6 دقائق للقراءة
حين ألبسني أبي الجنبية ....

 لا أعرف لماذا بقي ذلك اليوم عالقًا في ذاكرتي كل هذه السنوات، رغم أنني كنت طفلًا لا يتجاوز عمره سنوات قليلة. ربما لأنني رأيت أبي يومها على هيئة لم أعتدها، أو لأنني ارتديت شيئًا جعلني محط أنظار الجميع، أو لأنني اكتشفت، دون أن أفهم، أن هناك أشياء أكبر بكثير من أعمارنا الصغيرة. كل ما أتذكره أنني كنت أبحث عن إجابة لسؤال واحد: لماذا يفرح الرجال ويقفزون ويرفعون عصيهم وسيوفهم والجنابي في الهواء؟ ومن الذي انتصر حتى يحتفلوا بهذه الطريقة؟ لكن الحكاية لم تبدأ من هناك، ولا من وسط الميدان، ولا من صوت الزير الذي ظل يلاحق ذاكرتي سنوات طويلة. 

بدأت الحكاية بوعد صغير قطعه أب لطفل صغير كان كل ما يريده أن يرتدي الجنبية.وأنا طفل صغير، أخذني والدي إلى إحدى المناسبات العائلية، وكان يحاول إقناعي بالذهاب معه، فقال لي: 

((بعطيك الجنبية)) 

يا الله! يا الله! 

طفل صغير، كل ما يشغله وقتها أنه سيتحزم بالجنبية، دون أن يعرف رمزيتها أو تاريخها، لكنه كان يشعر بقيمتها. مجرد تميّزي بها عن أبناء جيلي كان كافيًا ليصنع بداخلي شعورًا بالفخر والاعتزاز، وهو شعور احتفظت به إلى اليوم. قريتنا تبعد عن المدينة التي أسكنها قرابة أربعمئة كيلومتر. كان شعوري غريبًا طوال الطريق؛ هل سيغير والدي كلامه؟ هل كانت الجنبية مجرد وسيلة لاستدراجي للذهاب معه؟ فنحن لا نعتاد حمل الجنبية في المدينة، أما في القرية، فالأمر مختلف؛ إذ لا يحملها الأطفال عادة، وإنما يرتديها أصحاب المكانة والجاه. 

وعندما وصلنا، قال والدي: 

((هيا أسرع، وأنابوك، والبس شماغك وغط وجهك عن الخصر)) 

بمعنى: انتبه من البرد، ولفّ شماغك للتدفئة. 

فالمنطقة بارده فهي تكون أعلى سلسلة جبال الحجاز 

وما إن انتهيت حتى فتح الباب الخلفي للسيارة، وأخرج الجنبية، وقال: 

((هيا تعال، أحزمك)) 

وسمعته، وهو يربطها حول خصري، يتمتم بدعوات الصلاح والهداية وقرة العين. 

وعندما دخلت قصر الأفراح، كان كل شيء غريبًا بالنسبة إليّ. 

فالزواج، بمسمى أهل المنطقة، يُسمّى «الصَّدّة». ولم تكن هذه أولى المفاجآت ولا آخرها؛ فقد بدأت المناسبة في وقت مبكر، بعد صلاة العصر مباشرة. وكانت تلك أول مرة أعرف فيها أن بعض زواجات المنطقة، أو ما يُسمّى بالصَّدّة، تبدأ في هذا الوقت. 

ولا أنسى الساحة الممتلئة بالسيارات، عددًا لا يكاد يُحصى. فأنا من مواليد جدة، ولم أعتد رؤية هذا العدد من السيارات والزحام إلا في مباريات الاتحاد والأهلي. 

ثم جاءت الصدمة بعد فنجان القهوة الأول، والاستقبال؛ إذ لاحظت أن الجميع ينظر إليّ باهتمام وابتسامة، وكأنني ضيف المناسبة الأهم. 

كان شكلي بالجنبية حديث الحاضرين، وكنت أسمع من هنا وهناك: 

«شفتوا الولد الصغير اللي أبوه ملبّسه جنبية؟» 

لم أكن أفهم سر هذه النظرات، لكنني كنت مستمتعًا بها، وربما شعرت بشيء من الزهو؛ فقد أصبحت، دون أن أخطط لذلك، محط أنظار الجميع ذهبت إلى دورات المياه لأنظر الي شكلي وأنا لابس الجنبية وعدت إلى القاعة، فإذا بها فارغة تمامًا! 

أين ذهب الجميع؟ 

لم يكن فيها أحد. 

خرجت أتتبع صوت إيقاع مرتفع يأتي من بعيد، حتى وصلت إلى مكان تجمّع الرجال. 

كان يتقدمهم شاعر لا أعرف عنه شيئًا، سوى أنني اعتدت سماع صوته في مسجل سيارة والدي، عبر أشرطة الكاسيت. 

نعم، إنه الصوت نفسه، والملالات نفسها. 

لكن المشهد هذه المرة لم يكن من خلال سماعة السيارة؛ كان أمامي حيًّا، بكل تفاصيله وأصواته. 

وبينما كنت أبحث عن والدي بين الحضور، رأيته في وسط الميدان، يشارك الرجال، ويرفع عقاله إلى الأعلى، ويقفز بحماسة. 

ظننت أن والدي منتصر، لكن في ماذا؟ 

وهل هؤلاء الرجال الذين يشاركون في الزواج قد انتصروا على شيء ما؟ 

بدأت أبحث بعيني عن جمهور الفريق الخاسر، كما اعتدت أن أفعل في مباريات كرة القدم. هل فاز ناديهم؟ وهل يشجعون فريقًا واحدًا؟ ومن الفريق الآخر الذي خسر؟ 

لكن الغريب أن الجميع كانوا في فرح! 

أسئلة كثيرة حيّرتني، ولم أجد لها إجابة في ذلك العمر. 

وفي طريق عودتنا، لم أستطع مقاومة فضولي، فسألت والدي: 

«من فاز؟»

فضحك والدي، يظن انني أقصد المحاورة الشعرية التي لم أفهم منها شيئًا في ذلك العمر، بينما كانت أذني قد انصرفت عن الكلمات وذهبت تلاحق الإيقاع. 

فضحك والدي، يظن انني أقصد المحاورة الشعرية التي لم أفهم منها شيئًا في ذلك العمر، بينما كانت أذني قد انصرفت عن الكلمات وذهبت تلاحق الإيقاع. 

قلت له: «وش اللي يخليك تفرح وتقفز؟» 

قال لي: (اهااااااااااه تقصد ليش شاش راسي) 

أجبته: « نعم، ليشششششششش؟» 

قال: «يا ولدي، هذا زير الحرب!» 

قلت: «أي حرب؟» 

قال: «هذا الزير، والإيقاع اللي تسمعه كان للحرب، واليوم عشان وعدتك إني أعطيك الجنبية، ولا المفروض بجنبية جدك». 

لم أفهم يومها ما الذي كان يقصده أبي بعبارة «زير الحرب»، ولم أكن أعرف أن ذلك الإيقاع الذي جعل الرجال يقفزون ويرفعون السيوف والجنابي إلى السماء يحمل شيئًا من تاريخهم. 

فالزير ليس مجرد آلة إيقاعية تُستخدم في الأفراح، كما قد يبدو لمن يراه للمرة الأولى. إنه أحد الألوان الشعبية التي ارتبطت في الذاكرة المحلية بالحروب والفروسية واستنهاض الهمم. 

ولم يكن له تاريخ نشأة محدد ومتفق عليه، كما اختلفت أشكاله وطرائق صناعته وأدائه من منطقة إلى أخرى. لكنه ارتبط في بعض الموروثات الشعبية بأيام الحرب، حين كان صوته العالي يملأ المكان، وتتعالى معه الأهازيج والقصائد الحماسية، فيجتمع الرجال وتُستنهض الهمم. 

كان الإيقاع في ذلك الزمن يحمل وظيفة تتجاوز الطرب؛ كان جزءًا من مشهد الاستعداد والمواجهة، وصوتًا تتفاعل معه الجماعة في لحظات الشدة. 

ومع مرور الزمن، وانتقال الناس من ميادين الحروب إلى ميادين الاحتفال، لم يختفِ ذلك الإيقاع، بل وجد له مكانًا جديدًا في الأعراس والمناسبات. تحوّل من صوت ارتبط باستنفار الرجال إلى صوت يجمعهم في الفرح، ومن إيقاع يستحضر المواجهة إلى إيقاع يستحضر الذاكرة. 

وهكذا بقي الزير حاضرًا، وإن تغيّرت المناسبة وتبدّلت الظروف. 

ولعل أكثر ما يدهشني اليوم أن الرجال الذين كانوا يقفزون على إيقاعه لم يكونوا يبحثون عن نصر على أحد، ولم تكن هناك نتيجة تنتظر إعلانها في نهاية المباراة. 

كانوا يحتفلون بانتمائهم. 

كان أبي يرفع عقاله كما لو أنه يرفع شيئًا أكبر منه؛ شيئًا ورثه عن أبيه وجده، ولم يكن بحاجة إلى أن يشرحه لي حتى أشعر بقيمته. 

كنت أظن أن هناك حربًا انتهت، وأن الرجال يستعيدون حكاية معركة قديمة، لكنني أدركت لاحقًا أن بعض الحروب لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تتحول إلى ذاكرة، وإلى قصيدة، وإلى إيقاع يجتمع الناس حوله دون أن يحملوا في قلوبهم عداوة لأحد. 

فاذا كان هذا لعبهم! كيف كانوا في الحروب؟ 

وفي طريق العودة، كنت أتحسس الجنبية بين الحين والآخر، وأتأكد أنها لا تزال في مكانها. 

لم أعد أفكر في نظرات الناس إليّ، ولا في حديثهم عن الولد الصغير الذي ألبسه أبوه جنبية جده. 

كنت أفكر في سؤال واحد: 

 كيف استطاع أبي أن يجعلني أشعر بكل هذا الفخر بشيء لم أكن أعرف عنه شيئًا؟ 

لم أكن أعرف أن الجنبية التي ألبسني إياها لم تكن مجرد زينة، وأن الزير الذي قفزوا على إيقاعه لم يكن مجرد طبل، وأن الرجال الذين ملأوا الساحة لم يكونوا مجرد رجال يلعبون في زواج. 

كانوا، دون أن أدرك، يعيدون أمامي مشهدًا من تاريخهم. 

كان أبي يمنحني درسًا لم يكتبه في كتاب، ولم يجلس ليشرحه على طاولة؛ أخذني إلى قريته، وألبسني شيئًا من ماضيها، ثم تركني أكتشف البقية بعيني. 

واليوم، كلما تذكرت تلك المناسبة، أدركت أنني لم أكن أرتدي الجنبية وحدها، ولم أكن أسمع الزير وحده. 

كنت أرتدي ذاكرة، وأسمع تاريخًا. 

ولعل أجمل ما في الحكاية أنني حينها كنت أظن أن أبي اصطحبني إلى مناسبة زواج، بينما كان، دون أن يقول لي، يصطحبني إلى أول لقاء لي مع جذوري. 

أما تلك الجنبية، فلا أذكر إن كانت أثقل من جسدي الصغير أم لا، لكنني أذكر جيدًا أنني عدت من تلك المناسبة وأنا أشعر أنني أصبحت أكبر قليلًا. 

لم أكن قد كبرت في العمر، لكن شيئًا في داخلي كان قد كبر. 

لقد أحزمني بتاريخ لم أكن أعرف أنني أنتمي إليه. 

شارك هذا المقال
الكاتب: عبدالإله القادري تصفح جميع مقالات الكاتب ←