حين تكلمت الريشة.. كيف صنع الكاريكاتير السعودي رأيًا عامًا؟
يذكر منصور العساف، الباحث في التاريخ الاجتماعي، أن سكان حي العليا في الرياض كانوا يعانون نقص المياه والكهرباء، حتى عُرف آنذاك باسم «حي الحسايف». ورسم على الخرجي معاناتهم في كاريكاتير، فكبّر الأهالي الرسمة ووضعوها على الطريق.
يذكر منصور العساف، الباحث في التاريخ الاجتماعي، أن سكان حي العليا في الرياض كانوا يعانون نقص المياه والكهرباء، حتى عُرف آنذاك باسم «حي الحسايف». ورسم على الخرجي معاناتهم في كاريكاتير، فكبّر الأهالي الرسمة ووضعوها على الطريق. وبالمصادفة، مرّ الملك فيصل -رحمة الله- بالمكان أثناء توديعه أحد الرؤساء، فشاهدها ووجّه بتشكيل لجنة، خلصت إلى أن الحي قائم ويحتاج إلى الخدمات.
كان الخرجي قد بدأ عام 1964 نشر أول كاريكاتير سعودي بصورة منتظمة في جريدة «الرياض». درس في العراق وتأثر بالرسامين هناك، ثم نقل الكاريكاتير إلى البيئة المحلية من خلال شخصية «أبو صالح»، التي ناقشت الطفرة الاقتصادية وأثرها في الأسرة، إلى جانب قضايا الخدمات والتعليم والمرور والتحولات الاجتماعية. وفي مطلع السبعينيات ظهر محمد الخنيفر في صحيفة «الجزيرة»، وأدخل التلوين بالريشة إلى الرسم الصحفي. كما ابتكر شخصية «سلطانة»، الطفلة الفضولية التي تنتقد الأخطاء الاجتماعية، ثم أضاف إليها «أبو سلطانة» و«أم سلطانة» وأخاها الصغير. وجمع عددًا من أعماله في مجلة «اضحك للدنيا»، وأصدر للصغار سلسلة «مغامرات سلطانة».
بلغ حضور الكاريكاتير السعودي ذروته في الثمانينيات. ففي عام 1985 خصصت صحيفة «الجزيرة» صفحة أسبوعية شارك فيها عبدالسلام الهليل وعبدالله صايل وهاجد ورشيد السليم وسعود الماضي، وفي العام التالي عُرض البرنامج التلفزيوني «الكاريكاتير ابتسامة». وكان بعض القراء يبدأون تصفح الصحيفة من صفحتها الأخيرة بحثًا عن الرسم اليومي قبل قراءة الأخبار. ناقش الكاريكاتير الاجتماعي الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية والمرورية، إلى جانب المهور والبطالة وغلاء المعيشة والإسكان والبيروقراطية. وتميز عبدالسلام الهليل ببساطة الرسم وقوة الفكرة، واشتهر رشيد السليم بالكاريكاتير الرياضي.
لكن الغزو العراقي للكويت في 2 أغسطس 1990 نقل الكاريكاتير السعودي إلى الحرب برز إبراهيم الوهيبي برسومه السياسية خلال الاحتلال وتحرير الكويت، وتحولت صفحات الصحف إلى مساحة للسخرية من صدام حسين، ورفض الغزو، والتعبير عن التضامن السعودي والخليجي مع الكويت وتذكر صحيفة «الجزيرة» أن أعمال الوهيبي في تلك الفترة كانت من أبرز تجارب الكاريكاتير السياسي السعودي.
وخارج صفحات الصحف، استخدمت قوات التحالف الرسم ضمن أكبر حملة حرب نفسية في المنطقة. أُنشئت في الرياض خلية مشتركة ضمت مختصين سعوديين وكويتيين وأميركيين لإعداد المنشورات الموجهة إلى الجيش العراقي. كانت التصاميم تُنجز في الرياض، ثم تُرسل رقميًا إلى منشآت الطباعة في الظهران، وأُنتج نحو 29.1 مليون منشور لاستخدامها في مسرح العمليات بالكويت.
بدأ أول إسقاط معلن للمنشورات في 12 يناير 1991 فوق مدينة الكويت، قبل انطلاق «عاصفة الصحراء» بخمسة أيام. حملت المنشورات رسومات ونصوصًا عربية قصيرة تربط صدام بالموت والجوع والقصف، وتذكّر الجنود بعائلاتهم، وتشرح لهم كيفية ترك السلاح والاستسلام بأمان.
بعد الحرب، عاد الرسامون إلى قضايا التعليم والإسكان والأسعار والخدمات، مع استمرار حضور القضايا السياسية العربية، وفي مقدمتها فلسطين. وفي عام 2009 تأسست الجمعية السعودية للكاريكاتير والرسوم المتحركة، وهي أمنية كان على الخرجي قد طالب بها قبل وفاته، وتجاوز عدد أعضائها لاحقًا مئة فنان.
ومع تراجع الصحافة الورقية، انتقل الكاريكاتير إلى المنصات الرقمية. أصبح نشر الرسمة أسرع ووصولها أوسع، لكنه دخل في منافسة يومية مع الميمز ومقاطع الفيديو والتعليقات الساخرة؛ لتتغير وسيلة النشر، بينما بقيت مهمته الأساسية كما بدأت مع رسمة حي العليا: تحويل شكوى طويلة إلى صورة يصعب تجاهلها.