فني

منى زكي في «طالع نازل».. حين تنتقل المرأة من مقعد الضحية إلى قيادة الحكاية

من دموع الانكسار إلى أسئلة القوة والانتقام.. هل تتغير صورة المرأة في الدراما أم تتغير طريقة رواية قصتها؟

كتابة: لؤي أبو سيدو 3 نوفمبر 2026 · تم التحديث منذ 3 ساعات · 4 دقائق للقراءة
منى زكي في «طالع نازل».. حين تنتقل المرأة من مقعد الضحية إلى قيادة الحكاية

لم تعد المسألة في الدراما الحديثة أن نرى امرأة تبكي أمام خيانة أو ظلم فالدموع لم تغب يوماً عن الشاشة السؤال الأهم هو: ماذا تفعل هذه المرأة بعد أن تجف دموعها؟ هل تنتظر من ينصفها؟ أم تمسك بخيوط الحكاية وتقرر بنفسها كيف تسير الأحداث؟ من هذه المسافة الفاصلة بين ردّ الفعل وصناعة الفعل يمكن قراءة حضور منى زكي في مسلسل «طالع نازل»، بعيداً عن المديح المعتاد للموهبة والنجومية.

تجسد "منى زكي" شخصية "نورا" المرأة التي تكتشف أن زوجها "علي" أخفى عنها زواجه بأخرى وأن المرأة الثانية تنتظر طفلاً منه بينما كانت هي تدفع من عمرها وأحلامها ثمناً لعلاقة ظنت أنها مستقرة. تبدأ الحكاية بصدمة قاسية لكن الشخصية لا تستقر طويلاً في موقع المكسورة التي تكتفي بالشكوى إذ تتحول تدريجياً إلى طرف يخطط ويراقب ويعيد ترتيب موازين القوة في العلاقة مستخدماً الذكاء والقدرة على التأثير في عالم الزوج الذي كان يبدو آمناً بالنسبة إليه.

هنا تتبدل زاوية النظر لم تعد المرأة مجرد ضحية تدور حول جرحها الأحداث بل أصبحت صاحبة قرار قد يدفع الآخرين إلى تغيير حساباتهم ومع ذلك فإن انتقالها إلى موقع القوة لا يجعل خياراتها صائبة بالضرورة فالقدرة على الانتقام شيء والحق في الانتقام شيء آخر وهذه المفارقة تحديداً هي ما يمنح "طالع نازل" قابلية لقراءة أعمق من كونه حكاية خيانة زوجية وردّ اعتبار.

«فالقدرة على الانتقام شيء،
والحق في الانتقام شيء آخر»

في كثير من الحكايات التقليدية، اعتادت الشاشة أن تجعل المرأة المظلومة تستجدي التعاطف أو تنتظر نجدة تأتي من خارجها أو تستعيد حقها عبر مصادفة تُنصفها في النهاية أما في "طالع نازل" فالمساحة الممنوحة لـ"نورا" أوسع وأكثر إزعاجاً في الوقت نفسه هي لا تكتفي بأن تكون محقّة في ألمها بل تتصرف وتغامر وتخطْئ وتفرض على المشاهد سؤالاً أخلاقياً صعباً هل نتعاطف معها لأنها جُرحت أم نوافق على كل ما تفعله بعد الجرح؟

ولعل هذا التحول لا يبدأ مع "طالع نازل" وحده بل يمكن تتبع بعض ملامحه في اختيارات منى زكي السابقة، في "لعبة نيوتن" كانت المرأة تحاول انتزاع مساحة لاستقلالها وسط علاقة مضطربة وفي "تحت الوصاية" واجهت كأم قيوداً اجتماعية وقانونية وهي تكافح من أجل طفليها فلم تكن مجرد صورة للضعف بل صاحبة مقاومة يومية أما "رحلة 404" فوضعت بطلتها أمام أسئلة الماضي والخطيئة ومحاولة الخلاص، شخصيات مختلفة لكن الخيط الذي يجمعها هو اتساع المساحة الممنوحة للمرأة كي تكون إنساناً معقداً، لا رمزاً واحداً للبراءة أو التضحية.

ومن هنا يطل سؤال المرأة المعاصرة على الدراما هل تحتاج المشاهدة اليوم إلى بطلة مثالية لا تخطئ؟ أم إلى شخصية تشبه تناقضات الحياة تملك الرغبة والقرار وتتحمل تبعاتهما؟ ليست الفكرة أن تصبح البطلة أقوى كلما أوجعت الآخرين ولا أن يُقدَّم الانتقام بوصفه مرادفاً للتحرر الأعمق أن تُمنح المرأة حق أن تكون مركز الحكاية لا هامشاً فيها أن تقود الحدث وأن تُناقَش خياراتها بمعايير إنسانية لا أن تُحبس دائماً في ثنائية الملاك والضحية.

هذا التصور يلتقي مع جانب من النقاشات النسوية حول استقلال المرأة وفاعليتها لكنه لا يختزلها في خصومة مع الرجل. فالاستقلال لا يعني بالضرورة الغلبة والإنصاف لا يتطلب دائماً الثأر قد تجد بعض المشاهدات في "نورا" صورة لامرأة ترفض الاستسلام بينما ترى أخريات أن ألمها لا يبرر تجاوزها للحدود والاختلاف هنا ليس ضعفاً في الشخصية الدرامية بل دليل على أنها تتجاوز الإجابات السهلة وتستدعي نقاشاً حقيقياً.

«الأعمق أن تُمنح المرأة حق أن تكون مركز الحكاية،
لا هامشاً فيها»

أما "منى زكي" فإن قيمة هذه التجربة في مسيرتها لا تُقاس بإعلانها ملكةً متوَّجة على حساب نجمات أخريات فالبطولة النسائية في مصر ساحة واسعة تتعدد فيها الأجيال والأساليب والتجارب ما يمكن قوله إنها استطاعت أن تحافظ على حضورها في قلب النقاش الفني وأن تنتقل من شخصية إلى أخرى دون أن تعتمد على صورة نجومية واحدة والمنافسة هنا ليست سباقاً لإقصاء الجميع بقدر ما هي قدرة على تقديم دور يترك وراءه سؤالاً بعد انتهاء المشهد.

في النهاية قد يكون أكثر ما يقوله "طالع نازل" عن المرأة أنه لا يطالبنا بالإعجاب بكل قراراتها بل بأن نراها شخصاً يملك قراراته أصلاً وبين امرأة كانت تنتظر من يكتب لها النهاية وأخرى تحاول كتابة نهايتها بيدها تتغير ملامح البطولة وربما تكون تلك هي الخطوة الأهم ألا تبقى المرأة مجرد جرح في الحكاية، بل تصبح عقلاً يتحرك وإرادة تُختبر وشخصية تستحق أن نختلف حولها.

‏
@monazaki

شارك هذا المقال
الكاتب: لؤي أبو سيدو تصفح جميع مقالات الكاتب ←