الشتاء قادم Winter Is Coming.. بين نجوم الأجداد ولقاحات الأنفلونزا
الشتاء قادم (Winter Is Coming).. ثلاث كلمات تحوّلت من شعار لعائلة ستارك في مسلسل (Game of Thrones) إلى واحدة من أشهر العبارات في الثقافة الشعبية المعاصرة.
الشتاء قادم (Winter Is Coming).. ثلاث كلمات تحوّلت من شعار لعائلة ستارك في مسلسل (Game of Thrones) إلى واحدة من أشهر العبارات في الثقافة الشعبية المعاصرة، ففي عالم ويستروس، يحمل الشتاء أكثر من مجرد انخفاض درجات الحرارة؛ إنه موسم تتقدمه التحذيرات، ويبدأ الاستعداد له قبل وصوله.
على أرضنا، عرف الأجداد فلسفة مشابهة في قراءة المواسم، وإن اختلفت الحكايات والوسائل، كانت النجوم تقويمهم، وطلوع سهيل مؤشرًا على انكسار القيظ، فيما مثّل «الصفري» مرحلة انتقالية تحمل معها تقلّبات الطقس، وترتبط في الذاكرة الشعبية بكثرة بعض الأمراض واصفرار الاجساد. ومع رحيل الصفري وفق بعض الحسابات الشعبية، يدخل الشتاء تدريجيًا إلى المشهد السعودي، مصحوبًا بمؤشرات صحية عن تصاعد نشاط الفيروسات التنفسية، وحملات للتحصين ضد الإنفلونزا الموسمية.
ففي الثقافة السعودية القديمة، تجاوزت مراقبة النجوم حدود معرفة الطقس إلى تنظيم تفاصيل الحياة اليومية؛ من مواسم الزراعة والحصاد إلى أوقات السفر وتبدّل الفصول، ويكشف كتاب «النجوم عند العرب»، للباحث وسّام العمور الدوسري، عن تقسيم نجدي قديم للسنة إلى أربعة فصول: الصيف، والقيظ، والصفري، والشتاء.
وضع الدوسري بداية الصفري في هذا التقسيم بطلوع سهيل، ويمتد حتى دخول الشتاء، ويرتبط بصرام النخل واعتدال الأجواء. أما تسميته، فتتعدد رواياتها الشعبية بين اصفرار الشمس والسماء بسبب الغبار، واصفرار الأشجار، واصفرار الأجساد نتيجة كثرة الأمراض، فيما تختلف مدة الموسم بين التقاويم؛ بين في الـ6 من سبتمبر لمدة 27 يومًا، بينما حددت حسابات أخرى منتصف أكتوبر نهايةً له.
«تجاوزت مراقبة النجوم حدود معرفة الطقس إلى تنظيم تفاصيل الحياة اليومية»
ورغم اختلاف المواعيد، ظل الصفري علامة ثقافية على التحوّل من حرارة الصيف إلى اعتدال الخريف، وموسمًا ارتبط في الوعي الشعبي بالحمى والزكام وتقلبات الصحة.
وفي وقتنا الحاضر تقدم المعرفة الطبية تفسيرًا أكثر دقة للأمراض المرتبطة بهذه الفترة؛ فالإنفلونزا ونزلات البرد تنتج عن فيروسات، فيما تختلف عنها الحساسية التي قد تثيرها الأتربة والعوامل البيئية. وتزداد فرص انتقال العدوى التنفسية مع المخالطة والتجمعات وضعف التهوية في الأماكن المغلقة.
وفي أكتوبر 2026، أعلنت وزارة الصحة السعودية ارتفاعًا بنحو 30% في حالات التنويم بالعناية المركزة المرتبطة بالعدوى التنفسية خلال ثلاثة أسابيع، مقارنة بالفترة السابقة، وسط نشاط موسمي لعدد من الفيروسات، فيما كشفت الوزارة، في سبتمبر 2025، أن إحصاءات عام 2024 أظهرت أن 96% من المنومين بالعناية المركزة بسبب الإنفلونزا لم يتلقوا التطعيم الموسمي؛ وهي نسبة تصف حالة التطعيم بين المنومين، ولا تمثل وحدها قياسًا مباشرًا لفاعلية اللقاح، مؤشرات تمنح موسم الشتاء بُعدًا صحيًا يتجاوز التغيرات المعتادة في درجات الحرارة.
بالتزامن مع هذه المؤشرات، تتواصل حملات التحصين ضد الإنفلونزا الموسمية في المملكة، ضمن جهود الحد من الإصابات الشديدة ومضاعفاتها، وتؤكد وزارة الصحة أهمية اللقاح السنوي، الذي تُحدّث تركيبته لمواكبة تغير فيروسات الإنفلونزا، ويساعد على خفض شدة المرض والحاجة إلى التنويم، خصوصًا لدى كبار السن والأطفال الصغار والحوامل والمصابين بالأمراض المزمنة وضعف المناعة.
«ولا تمثل وحدها قياسًا مباشرًا لفاعلية اللقاح»
وبينما تستعيد الأجواء السعودية ملامح الشتاء، تتقاطع ذاكرة المواسم القديمة مع أدوات الوقاية الحديثة؛ من مراقبة النجوم لمعرفة تحولات الطبيعة، إلى رصد الفيروسات وتطوير اللقاحات للحد من مضاعفات الأمراض.
الشتاء قادم «Winter Is Coming».. عبارة صنعت شهرتها دراما ويستروس، فيما تروي ذاكرة الصفري في نجد حكاية أقدم عن الإنسان والمواسم. اختلفت أدوات الاستعداد، وبقي الشتاء موعدًا يتجدد معه الاهتمام بالصحة والوقاية.