اجتماعي

هوس القهوة المثلجة .. مالا يحتمله حنيف بن سعيدان

من “يا كليب شب النار” إلى قهوة يملؤها الثلج والحليب والفانيلا.. تغيّر قرين القهوة من النار إلى الثلج، فكيف تغيّر معناها بين مجالس أجدادنا وطوابير المقاهي؟

كتابة: سلطانة السبيعي 5 نوفمبر 2026 · تم التحديث منذ 7 ثواني · 4 دقائق للقراءة
هوس القهوة المثلجة .. مالا يحتمله حنيف بن سعيدان

خمسة عشر فنجال لحنيف صبت لو أن بطنه قربة قد ملاها 

هكذا داعب الشاعر ناصر العبدالكريم ضيف الشاعر حنيف بن سعيدان و زمن قديم قرد عليه حنيف بأن قهوته خالية من النكهات لكثرة ماءها 

من فنجان لا يخالطه الا سجه البال في مجلس ما فيه نفس ثقيلة كما اشتهر به راكان بن حثلين قبل عشرات السنين الى قهوة المثلجة يخالطها الحليب و الفانيلا تطلب بتطبيق الالكتروني ولك ان تتخيل إلى اي درجة تغير معنى القهوة ؟! 

أصبح من المعتاد ان نرى طوابير الناس الطويلة في المقاهي سواء كانت هذه الطوابير راجلة او ممتطية سياراتها في الممر الذي تخصصه المقاهي لعشاق القهوة المثلجة الذين لا يستطيعون أن يستغنوا عن قهوتهم المثلجة.

و هكذا بعد ان كانت النار هي قرين القهوة في حياة اجدادنا (يا كليب شب النار) انقلبت قواعد العلبة بتغير الزمان و اصبح الثلج هو قرين القهوة بدلا من النار ، دخلت شركات الحليب و الفانيلا و احيانا عصير البرتقال 

في قصة حنيف، لم تكن القهوة مشروبًا فقط. كانت سببًا لجلسة، ومبارزة شعرية، وعلاقة بين مضيف وضيف. الفنجال لا يُشرب على عجل، ولا ينتهي إلا حين يهزّه الضيف معلنًا اكتفاءه. وحتى كثرة القهوة كانت بابًا للمزاح، لا رقمًا في فاتورة. 

لو دخل حنيف مقهى اليوم، ربما لن يجد دلةً ولا مضيفًا يراقب فنجاله. سيجد قائمة طويلة: حار أو بارد، حليب عادي أو شوفان، تحميصه فاتحة أو داكنة، قهوة إثيوبية أو كولومبية، حجم صغير أو كبير، وطلبًا يُدفع قبل أن يجلس صاحبه أو حتى قبل أن يصل إلى المقهى.

القهوة نفسها لم تبدأ في المقاهي الحديثة. فحبوبها تنتمي إلى مرتفعات شرق أفريقيا، لكن الشراب كما نعرفه اليوم تبلور في اليمن، حيث استخدمها متصوفة الشاذلية في أواخر القرن الرابع عشر أو بداية الخامس عشر لمقاومة النوم خلال الذكر. ثم خرجت عبر طرق التجارة والحج إلى مكة ومصر والشام وإسطنبول، قبل أن تصل إلى أوروبا. منذ البداية، لم تكن القهوة مجرد كافيين؛ كانت يقظة، ثم مجلسًا، ثم مساحة للكلام وتبادل الأخبار والشعر. 

ولهذا خافت منها السلطات أحيانًا. فالمقهى لم يكن مكان شرب فقط، بل مكانًا يجتمع فيه الناس ويتناقشون ويتبادلون الأخبار. في بعض المدن الإسلامية ظهرت محاولات لمنع المقاهي، لا لأن البن أخطر من غيره، بل لأن تجمع الناس حوله كان يصنع رأيًا وحديثًا خارج البيت والسلطة. ففي عام 1633م، منع السلطان العثماني مراد الرابع شرب القهوة، بالتزامن مع إجراءات ضد التدخين، بعد حريق كبير في إسطنبول. ولم تكن مخاوف السلطة مرتبطة بالمشروب وحده، بل بالمقاهي التي أصبحت أماكن لاجتماع الناس وتبادل الأخبار وانتقاد الحكم 

في السعودية، ارتبطت القهوة بمعنى مختلف أيضًا: الكرم. كانت تُحمّس وتُطحن وتُطبخ أمام الضيف، فيكون صوت النجر ورائحة الهيل جزءًا من الاستقبال نفسه. ومع تغيّر البيوت، انتقلت عملية التحضير إلى المطبخ، لكن بقيت عادات مثل تقديمها باليمين وهز الفنجال علامةً على الاكتفاء. ولم تكن الوصفة واحدة أصلًا؛ فلكل منطقة مذاقها وبهاراتها وطريقتها. 

لكن القهوة دخلت سوقًا أكبر من المجلس منذ وقت مبكر. حين توسع الطلب الأوروبي عليها، أنشأت القوى الاستعمارية مزارع في مستعمراتها، وانتهى احتكار اليمن لزراعتها، ووصلت القهوة الرخيصة إلى الأسواق الأوروبية عبر عمل استعبادي في جانب كبير من تلك المزارع. هنا بدأت القهوة تتحول بوضوح من رمز محلي وعادة اجتماعية إلى سلعة عالمية.

في المملكة يستهلك أكثر من 80 ألف طن من البن سنويًا، ففي 2024 فقط استوردت قهوة ومنتجاتها بقيمة 606 ملايين دولار. ونصيب الفرد من البن 2.61 كجم تقريبا في السنة. 

واليوم، لا تبيعنا الرأسمالية البن وحده. تبيعنا اسمه، ومزرعته، وطريقة معالجته، ودرجة تحميصه، وتصميم الكوب، وديكور المقهى، والصورة التي سننشرها بعد ذلك. القهوة المختصة صنعت لغة جديدة: "إيحاءات فاكهية"، "محصول واحد"، "تحميص فاتح"، "تقطير يدوي". وهي لغة ترفع قيمة التجربة، لكنها أحيانًا ترفع سعر الحكاية أكثر من نصيب المزارع نفسه منها. 

وهنا تغيّر السؤال. قديمًا كان السؤال: "كيف قهوتك؟" أي هل أكرمت ضيفي؟ 

واليوم صار: "وش قهوتك؟" أي ما الذي تقوله اختياراتك عنك؟ 

الآيس كوفي صار علامة على أشياء كثيرة: بداية دوام، مشوار طويل، جلسة عمل فردية، موعد، تصوير، أو مكافأة صغيرة بعد يوم مرهق. لم يعد الفنجال ينتظر الضيف؛ صار الشخص يطلب القهوة قبل أن يصل. ولم تعد القهوة تتبع الجلسة، بل أصبحت الجلسة تُبنى حول القهوة. 

هذا لا يعني أن الماضي كان أجمل دائمًا، ولا أن القهوة المثلجة عدوة للقهوة السعودية. فالمقاهي الحديثة خلقت فرصًا لمحامص محلية وباريستا ومشاريع صغيرة، وفتحت مساحة جديدة للشباب للعمل واللقاء. وتصف هيئة فنون الطهي هذا التحول بوصفه مزجًا بين جذور القهوة السعودية والابتكار، مع صعود البن أحادي المنشأ والتحميص الفاتح وطرق التحضير الدقيقة. 

لكن الفرق أن حنيف كان يشرب خمسة عشر فنجالًا صغيرًا وسط ناس يعرفهم، بينما يستطيع شخص اليوم أن ينهي كوبًا كبيرًا من القهوة المثلجة في السيارة دون أن يقول كلمة لأحد. 

إذن، لم تقتل القهوة المثلجة حنيف بن سعيدان. لكنها جعلتنا نعيد التفكير: هل نشرب القهوة لأننا نحتاجها، أم لأننا نحتاج المكان والصورة والوقت الذي تمنحنا إياه؟ 

شارك هذا المقال
الكاتب: سلطانة السبيعي تصفح جميع مقالات الكاتب ←