رفحاء.. مدينة بعيدة وقلوب قريبة
ليست المدن في المملكة العربية السعودية مجرد أسماء على خارطة، ولا المسافات بينها حدوداً تفصل القلوب
emubarki1@
ليست المدن في المملكة العربية السعودية مجرد أسماء على خارطة، ولا المسافات بينها حدوداً تفصل القلوب؛ فنحن في وطنٍ واحد، وبيتٍ واحد، وكل مدينة فيه هي مدينتنا، وكل أرض فيه هي دارنا، وأهلها أهلنا. ومن هذا المعنى بدأت حكايتي مع رفحاء؛ المدينة الشمالية التي لم أكن أعلم أن طريق الوصول إليها سيمنحني كل هذه الحكايات، وأن المسافة التي تفصلها عن جدة ستتحول يوماً إلى مساحة واسعة من المحبة والذكريات.
رفحاء ليست مجرد مدينة ارتبط تاريخها بخط أنابيب النفط الشهير «التابلاين» الذي انطلق عام 1951م، وأسهم في نشأة المدينة واستقرار أبناء البادية، وليست فقط شاهداً على تاريخ تنموي وحضاري عريق، بل هي أيضاً صفحة إنسانية مضيئة احتضنت عام 1991م نحو أربعين ألف لاجئ عراقي، وقدمت لهم المأوى حتى غادر آخرهم عام 2008م. إنها مدينة تختصر في ذاكرتها حكايات التنمية والإنسانية والوفاء.

بدأت حكايتي الشخصية معها في نهاية عام 2019م، حين قررت السفر إليها لزيارة زوجتي التي كانت على رأس عملها هناك، وفي ظل توقف الرحلات الجوية الداخلية خلال أزمة كورونا، اخترت الطريق البري، مستعيناً بصديقي العزيز «قوقل ماب»، الذي قرر أن يختبر صدق شوقي، فأخذني عبر طريق ترابي بعد حائل، حتى وجدت نفسي في مسار غير مكتمل! ولولا الله ثم فريق الإنقاذ الذي أعادني إلى الطريق الصحيح، لربما أصبحت جزءاً من مشروع الطريق قبل أن أصل إلى رفحاء!

بعد رحلة قاربت خمس عشرة ساعة، كان في استقبالي أخي وصديقي الغالي صالح الشيحي، رحمه الله، الذي استقبلني بكرم أهل رفحاء وابتسامتها، وقال عبارته التي لا تزال تسكن ذاكرتي: «ما خلاك توصل رفحاء إلا الشوق». رحمك الله يا أبا حسام، فقد صدقت؛ كان الشوق أكبر من الطريق، وكانت محبتكم أجمل من عناء الوصول. ولا أنسى أخوي فليح ملاك الشمري وثامر قموم، وكل من جعل من تلك الرحلة بداية لعلاقة لا تنتهي بانتهاء الزيارة.
أربع سنوات ونصف قضتها أسرتي في رفحاء، عشنا خلالها تفاصيل مدينة أحببناها، وعرفنا طيبة أهلها، ودفء مجالسها، وكرم رجالها. كانت جلسة شبة السبت عند أخي أبي عاصم، فليح ملاك الشمري، تختصر المسافات، وتمنحنا شعوراً بأننا بين أهلنا وفي بيتنا. ومع مرور الأيام لم تعد رفحاء مدينة عمل زوجتي، بل أصبحت جزءاً من ذاكرتنا ووجداننا، مدينة دخلناها بالزيارة، وغادرناها ونحن نحمل لها محبة لا تغادرنا.
دخلناها شتاءً وخرجنا منها شتاءً، وبين الشتاءين حكايات سفر ومطر وبرد ولقاءات ووداع. تعلمنا فيها أن المدن لا تُقاس بالمسافات، وإنما بما يسكنه القلب تجاه أهلها؛ فقد تكون بعيداً عن منزلك، لكنك قريب من قلوب تحتضنك، وقد تكون في مدينة لم تولد فيها، لكنها تمنحك إحساساً بأنك لم تغادر بيتك يوماً.

ومع كل هذه التفاصيل، أريد أن أقول شيئاً أكبر من حكاية النقل والسفر: لم تكن رفحاء يوماً غربة بالنسبة لنا، ولن تكون أي مدينة سعودية غربة عن أهل هذا الوطن. فجدة بيتنا، ورفحاء بيتنا، وسائر مدن المملكة بيوتنا. لا نشعر أننا نغادر أهلنا حين ننتقل من منطقة إلى أخرى، لأننا ننتقل بين أهلنا، وفي أرضنا، وتحت راية وطن يجمعنا.
هذه هي السعودية التي نحبها؛ وطن لا تحدد فيه المسافات مقدار الانتماء، ولا تصنع فيه الجغرافيا حواجز بين القلوب. وطن إذا وصلت مدينة فيه وجدت أهلاً، وإذا غادرت مدينة تركت فيها أحبة، وإذا عدت إليها شعرت أنك تعود إلى بيتك.
شكراً رفحاء، شكراً لأهلها، وشكراً لكل مدينة سعودية احتضنت أبناء هذا الوطن والمقيمين على أرضه. ستبقين في ذاكرتنا مدينة لها مكانة خاصة، لا لأن الطريق إليك كان طويلاً، بل لأن القلوب التي التقيناها فيك جعلت الطريق يستحق كل ذلك العناء.
في السعودية لا غربة، فكل مدنها مدينتي، وكل أرضها بيتي، وكل أهلها أهلي؛ لأننا ببساطة لسنا أبناء مدن متفرقة، بل أبناء وطن واحد، وبيت واحد اسمه المملكة العربية السعودية.