ثقافي

البندقية الشعرية في الحروب العربية

في زمن الحروب، حين يسود الدمار والبارود، يبقى الشعر صوتا يقاوم الصمت

كتابة: مطلق الجبعاء 6 نوفمبر 2026 · تم التحديث منذ 3 ساعات · 3 دقائق للقراءة
البندقية الشعرية في الحروب العربية

aljabaa50@

في زمن الحروب، حين يسود الدمار والبارود، يبقى الشعر صوتًا يقاوم الصمت. إنه ليس ترفًا أدبيًا، بل سلاحًا روحيًا يواجه آلة الحرب الوحشية.

لأن القصيدة والرصاصة يجمعهما كتابة الوجود، وتخليد اللحظة، ونهوض الروح، والحسم النهائي. فالقصيدة هي الحسم الذي لا يموت، والكتابة التي تبقى شاهدًا على الإنسانية حتى بعد خفوت صوت البنادق.

بهذا يصبح الشاعر في الحروب مؤرخًا ومقاومًا ومعالجًا للجراح في آنٍ واحد. فالشعر لا يوقف الحرب، لكنه يمنع النسيان، ويحفظ الكرامة، ويُبقي على أمل الروح في أشد الظروف قسوة.

منذ الجاهلية ونزاعات القبائل، كانت القصائد هي الصحف والعناوين العريضة. وبعد مجيء الإسلام، كان الشعر مرافقًا لجحافل الفاتحين، وصوتًا يسبق السيوف لنشر الرسالة المحمدية السمحاء. أما في عصرنا الحديث، فقد رافقنا الشعر في ضَرَّاء النكبة والنكسة، وفي سَرَّاء حرب أكتوبر، فلنستعرض سويًا ما قيل في هذه الحروب الثلاث من الشعر النبطي، من قرائح الجنود ووحي الخنادق:

حرب فلسطين 1948

يخلّد الجندي في الجيش السعودي الشاعر "عبدالله الصقري" لحظات القتال في غزة بقصيدة طويلة يقول فيها:

العيد عيدناه بتلال غزة

يا لله عسى مثله علينا يعودي

في وسط ميدان الشرف كل حزه

نار المدافع تشتعل بالوقودي

جيش الفدا من مصر سجل معزه

ومسانده بالفعل جيش السعودي

"حابس المجالي"، قائد الكتيبة الرابعة في الجيش العربي الأردني، برز كأسطورة في معارك القدس واللطرون وباب الواد، وخُلّد في الشعر النبطي:

كتيبة قايدها حابس

تقش الأخضر واليابس

حابس وجنوده أشاوس

فرسان وكلهم أبطال

حابس حبسهم بالوادي

حابس وجنوده وتادي

حس أخو خضره ينادي

على الهاغاناه يا رجال

وعند احتدام القتال، اتفق الطرفان على هدنة، فقال حابس المجالي مخاطبًا غلوب باشا:

ما أريد أنا هدنة يا غلوب

خلي البواريد رجّادة

بيوم قيضٍ بحر الشوب

والنار بالجو وقّادة

خلّهم يحسبوا لنا محسوب

إنّا على الموت ورّادة

صهيون اترك لنا المسلوب

وابعد عن القدس وبلاده

النصر من الله لنا مكتوب

والخوف ما هو لنا عادة

حرب 1967

كان الجيش الكويتي متمثلاً بلواء اليرموك على الجبهة، ومن أبرز ما قيل فيها قول الشاعر "غريب الطارش الحبلاني" :

يا ناشدٍ عنا ترا بسينا

يم الحدود اللي يجيكم خبرها

من دون شط النيل متمركزينا

بسلاحنا تو الإنجليزي نجرها

ويتجلى مرارة الهزيمة في قول الشاعر "بن دغيثر الزهراني" :

أربع أيام وإخوان لنا تحت فيات القنابل

بإذن ربي لنا ونقيم يومًا كما بدر وحنين

ننصب الراية الخضراء ونغزو على سينا وغزة

وأي بساتين حيفا نكتب النصر في جدرانها

حرب أكتوبر 1973

وصف الشاعر الجندي في الجيش السعودي "نايف بن زابن الحربي" أهوال القتال في هضبة الجولان:

لا عدت يا يومٍ عرفناك بالضيق

في هضبة الجولان حربٍ سحيقي

روس المدافع مثل روس المزاريق

على شعاع الشمس تبرق بريقي

والجيش قدم الجيش يعطي المداريق

وسبورنا مع كل حزمٍ تويقي

وعلى الجبهة المصرية، يناجي الجندي في لواء اليرموك "شباط الظفيري" محبوبته من على خط النار:

صاحبي ما شاف ضرب المدفعية

ولا وقف بالمعركة يوم القتالي

ولا تجوّل حارسٍ بالبندقية

ولا حسب في غربته كثر الليالي

ثم احتفل بالنصر في قصيدة نشرت في مجلة «الهلال» المصرية:

في ستة أكتوبر أعصير المسيّان

قبل تغيب الشمس في ساعتيني

تجهزت قواتنا والخفي بان

وأعلن لها الريّس خطابٍ ثميني

مدّوا جسور الحرب من غير نقصان

وتدفقوا أبطالنا عابريني

وصارت على سينا حرايب ونيران

وتفجرت من كل موقع حصيني

ورفرف علم مصر بنصرٍ لهم بان

يا الله ترفع راية المسلميني

شارك هذا المقال
الكاتب: مطلق الجبعاء تصفح جميع مقالات الكاتب ←